ابن عربي

45

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

ثم انصرف عليه السلام إلى المنحر بمنى ، فنحر ثلاثة وستين بدنة . ثم أمر عليا فنحر ما بقي منها مما كان عليّ أتى به من اليمن معه ، وما كان أتى به عليه السلام من المدينة ، وكانت تمام المائة . ثم حلق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رأسه المقدّس ، وقسم شعره ، فأعطى من نصفه الناس الشعرة والشعرتين ، وأعطى نصفه الثاني كله أبا طلحة الأنصاري ، وضحّى عن نسائه بالبقر ، وأهدى عن من كان اعتمر منهن بقرة . وضحّى هو عليه السلام في ذلك اليوم بكبشين أملحين . وحلق بعض أصحابه ، وقصّر بعضهم . فدعا عليه السلام للمحلّقين ثلاثا ، وللمقصرين مرة . وأمر عليه السلام أن يؤخذ من البدن الذي ذكرنا ، من كل بدنة بعضه ، فجعلت في قدر ، وطبخت . فأكل عليه السلام هو وعليّ رضي اللّه عنه من لحمها ، وشربا من مرقها ، وكان عليه السلام قد أشرك عليّا فيها ، فأمر عليّا بقسمة لحمها كلها وجلودها وجلالها ، وأن لا يعطى الجازر على جزارتها شيئا منها ، وأعطاه عليه السلام الأجرة على ذلك من عند نفسه . وأخبر الناس أن عرفة كلها موقف ، حاشا بطن عرفة ، وأن مزدلفة كلها موقف ، حاشا بطن محسّر ، وأن منى كلها منحر ، وأن فجاج مكة كلها منحر ، ثم تطيّب عليه السلام قبل أن يطوف طواف الإفاضة ، ولإحلاله قبل أن يحل في يوم النحر ، وهو يوم السبت المذكور ، فطيّبته عائشة رضي اللّه عنها بطيب فيه مسك بيدها ، ثم نهض عليه السلام راكبا إلى مكة في يوم السبت المذكور بعينه ، فطاف في يومه ذلك طواف الإفاضة ، وهو طواف الصدر ، قبل الظهر ، وشرب من ماء زمزم بالدلو ، ومن سد بالسقاية ، ثم رجع من يومه ذلك إلى منى ، فصلى بها الظهر . وهذا قول ابن عمر رضي اللّه عنهما . قالت عائشة رضي اللّه عنها وجابر : صلى ظهر ذلك اليوم بمكة ، هذا هو الفصل الذي أشكل علينا ، الفصل فيه لصحة الطريق في كل ذلك ، ولا شك أن في أحد الخبرين وهما ، والثاني صحيح ، قال أبو محمد : لا يدري أيهما هو ، وطافت أم سلمة في ذلك اليوم على بعيرها من وراء الناس وهي شاكية ، واستأذنت النبي صلى اللّه عليه وسلم في ذلك فأذن لها ، وطافت عائشة رضي اللّه عنها في ذلك اليوم ، وفيه طهرت ، وكانت رضي اللّه عنها حائضة في يوم عرفة ، وطافت أيضا صفية في ذلك اليوم ، وحاضت بعد ذلك ليلة النفر ، ثم رجع عليه السلام إلى منى .